|
الحمد لله رب العالمين ,
والصلاة علي الرسول الأمين الذي أخرج العباد من عبادة العباد
إلى عبادة رب العباد ؛ عليه أتم التسليم وبعد؛
لقد مَّن الله علينا بنعمه الكثيرة الملموسة وغير الملموسة ,كالبصر والسمع والشم
و غيرها من النعم التي لا يعلم فضلها سوى من حُرم منها ومُنع عطـاؤها
من أكثر النعم التي مّن الله بها علينا هو أن هدانا لهذا الدين دون أن نرى
حبيبه ورسوله الأمين , فأرسل رسوله ليُخرجنا من الظلام إلي النور ,
وبعد أن عمَّ الدين في الإرجاء وانتشرت سماحة الإسلام مُلطفةً الأجواء
بالقلوب الرحيمة المتعاطفة المُتكاتفة والمتعلقة بحب رب السماء .
...
بعد كل هذا الفضل الذي لم يرُق للكثيرين من أعداء الله الذين حاولوا أن يُحاربوا
الله ورسوله مراراً كثيرة وبأساليب متنوعة باءت إلي الفشل كأصحابها ,
فتارة يستخدمون الخيار العسكري الذي يخبو نجاحه على المدى القصير
يفرحون بهذا النجاح , لكن أمة محمد تعود لربها تجمع شملها وتلم شعثها
وتخرج عليهم لتكسرهم وتطردهم وتفتح البلاد من جديد .
فيعودون حاملين الخيبة ويعزِمون على العودة ثانية بأفكار جديدة , فكان خيارهم
الغزو الفكري , الذي كان من أنجع الأساليب وأفتكها بالدين الإسلامي وكانت المحاولات لاستخدام العقول العربية في محاربة الإسلام بعد أن تم إعادة برمجة
وصياغة تلك العقول علي الطريقة الغربية ,
فجيشوا جيوش العلماء ( العرب + الأجانب ) لنشر أفكارهم ونظرياتهم ,
وفعلوا ذلك واستقبلنا منهم بعقول متلهفة ومتعطشة للمزيد من تلك الثقافات
التي لم نكتفي بها نظرياً , بل واقعاً موجوداً وبطريقة مستحسنة , وتعدت
الاستفادة من هذه الأفكار والنظريات..
من الأخذ بإيجابياتها إلى تبنيها حتى بسلبياتها، وأحياناً بسلبياتها فقط...
واتخاذها بديلاً عن أسسنا وركائزنا الفكرية المنبثقة من ديننا الحنيف،
بحيث أضحى التخلي عن الدين تحرراً.. والتمسك به رجعيةً وتخلفاً
وانغلاقاً ورجوعاً للخلف.
وانتشر فينا الوهن ( وهو حُب الدنيا وكراهية الموت ) ,
ونطق فينا الروبيضة ( وهو التافه ينطق في أمور العامة ) ,
والديوث (الذي لا يغار على عرضه).
فأصبح هناك نوع من التكريس والاستعباد للذهنية الإسلامية العربية لتصبح
تابعة بعد أن كانت قائدة للعالم، واستعباداً ايضاً للشخصية الإسلامية الحرة التي
لا تعرف العبودية إلا لله عز وجل ولأوامره تعالى؛ في حقيقة الحال أو كما يُفترض بها!
فأصبحنا نجد أنّ جلّ هم الانسان العربي المسلم يرتكز على التفكير بالنواحي الاستهلاكية من معيشة وكماليات.. وعلى مصالحه كفرد فقط..وانتشرت الأمثال
الانهزامية التي تعبر عن هذه الفردية القاتلة، مثل(اللهم أسألك نفسي
ومن بعدي الطوفان، أو: مية عين تبكي ولا تدمع لي عين، ويا روح ما بعدك روح.. الخ...)
...
و الخطير في هذا النوع من التفكير أنّه يعلي من القيم الفردية على حساب القيم
الدينية والاجتماعية وغيرها.. على عكس ما وصانا به رسولنا الكريم صلى الله عليه
وسلم(وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى) حين وصف المؤمنين بالجسد
الواحد، أو براكبين لسفينة واحدة، لا يستطيع أحد فيها أن يخرقها وأن يدعوه يفعل
ذلك لأنّهم سيغرقون جميعاً..
فانتشرت الأمثلة الانهزامية التي تعبر عن هذه الحالة أيضاً ( يصطفلوا، مثل السوق
بنسوق، واللي يفوت بين البصلة وقشرتها ما بينوبه إلا ريحتها) ، وغيرها من
الأمثال التي تعبّر عن روح الانهزام واللا مبادرة واللا تفاعل والانغلاق حول الذات.
وهذا النجاح للغرب في تحويل الرجل المسلم والعربي المؤمن الذي كان صاحب نخوة
وكان صاحب شهامة , ينصر المظلوم , يكون ولاءه لدينه ووطنه >> سابقا.ً
فتحول ذاك النموذج الذي مات وأصبحنا لا نُجيد سوى الوقوف علي تلك الأطلال
نتُمجد بذلك الماضي ونفتخر به ونحن قد أصبحنا عيب زماننا ..
حتى أننا أصبحنا نرى أحياناً الوالد يجلد بنته علي جريمة واي جريمة تلك التي
تستحق الجلد ,إنها جريمة لبس الحجاب , فكما حدثتني أخت أنها جُلدت عندما
ارتدت الحجاب, وعندما يلتحي الشب وترتدي الفتاة ثياب العفة والطهارة يتم إلصاق
التهم (فوق ما الإسلام معقد بدكم تتعقدوا كمان) ، من وجهة نظرهم الإسلام معقد ..
...
لم يكتفي أبناء جلدتنا بهذا الحال , بل ذهبوا إلي استحلال ما حرم الله وانتهاك حُرمات
الله , والتعدي علي حدوده .. وتناسوا ما سينالهم يوم الحساب يوم يُنادى
( لمن المُلك اليوم )
ويا ليت الأمر وقف عند هذا الحدّ، فقد أصبح هناك نوع من التأسيس المنهجي لفكر
ديني جديد لا يقوده رجال الدين الثقاة..بل فلاسفة مارقون أو ملحدون أو علماء في
أي جانب ما عدا الدين، أو حتى عامة الناس الجاهلين بالدين فكراً أو عملاً أو
بالاثنين، فأصبح يلتمس منهم الفتوى أو يتطوعون لإعطائها أو فرضها انطلاقاً
من مراكزهم أو من خلال رؤوس أموالهم، أو غيرها..
ونشرهم لأفكارهم بشتى الطرق الإعلامية من كتب وفضائيات وغيرها.
حيث يحاول هؤلاء الناس أن يجعلوا الدين تبعاً لهواهم عوضاً عن جعل أهوائهم
تبعاً للدين، ويحاولون التشكيك بكل ما لا يعجبهم من تفسيرات علماء الدين
الثقاة بتفسيرات أخرى ملائمة لهواهم، فيصبح الحجاب الشرعي غير شرعي
بنظرهم مثلاً.
...
حتى أننا أصبحنا نجد أناساً يفتون بأشياء غريبة ( كإرضاع الكبير) لم يقل بها أو
يعرفها غالب أو كل العلماء قديماً أوحديثاً، مما يثير البلبلة ويضعف الثقة برجالات
الدين، بل بالدين نفسه، ويصبح هناك نوع من الاستبدال للقدوة الصالحة دينياً لتصبح
القدوة الحالية ممثلة لكل رغبات الإنسان الدنيوية وشهواته الزائلة بمعزل عن هدى
الدين وأوامره، فتصبح الراقصة أو الممثلة أو المغنية المتحللة من هدي الدين
شخصية محترمة تدلي بدلوها في أمور الدين فترى صوتها يصدح بالتحريم
والتحليل..والناس يرددون صدى كلماتها وهم لا يعون عمق الهوة التي
تسحبهم
إلى أعماقها وتغرقهم في ضحالتها الفكرية التي لا قرار لها, فتارة نجد في أفلام
الرقص والمسلسلات الفاضحة نموذج الرقي العربي كما يزعمون وتارة نجد في
خلع الحجاب التحرر من تزمت الإسلام وتعقيده كما يدعون وتارة نجد في شرب
الخمور وبيعها حرية شخصية ..
...
وحقا إنها ستكون عليهم حسرة وندامة يوم القيامة ,
وهكذا استبدلت كما نرى المفاهيم وتزيّت بزي آخر يعطيها الشرعية
والقبول من قبل دعاتها ومن قبل المغرر بهم عن طريقها.
...
تلك الجهود والنظريات الغربية التي غزت العقول العربية قد نجحت نجاحاً باهراً
وما يدل علي ذلك أننا أصبحنا نرى من يخرج من الدين الإسلامي لُيعلن تنصره
وأنّ هناكَ منا من لا يعرف أصغر شئ في أمور دينه ومن المسلمين من لا يعرفون
أين القبلة حتى !!!
كل هذا الألم وكل هذه المصائب التي تدور، ومع هذا أعلن الله أن نوره لن ينطفئ
رغم كيد الكافرين , فأصبحنا نرى من القوم الغربي من يدخلون دين الإسلام
ويُقدمون له أكثر مما قدم له المسلمون أنفسهم , ربما هذا الأمر يُخفف من وطأة
المُصاب الذي أصابنا من جرح أمتنا أيقظها الله من سُباتها !
...
فهلم بنا شباب الإسلام وفتياته أن نقدُم بخطوة جريئة ولا نستصغر الدور ولا نحتقر
من المعروف شيئا ًولنبدأ بالتحذير من تلك الأفكار ونبدأ بمحاربتها كل شخص
بأسلوبه الخاص الكتابات , التصاميم , المؤلفات , النشر ... الخ من الوسائل
التي تروق لكم وتوصل الفكرة لأحباب قلوبنا الذين دُس لهم السُم في العسل .
معاً وسوياً نُخلص أمتنا من هذا الداء , ولنعي أن معالجة هذا الداء تبدأ من كل فرد
منّا أولاً ثمّ تتعداه قدوةً وفكراً لمن حوله..
فهل نحن ساعون في طريق الخير؟؟؟
...
|
|